ابن عربي

419

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الأماكن التي يظهر فيها الكسوف ، وأما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم يظهر فيها له ولا أثر ، أي ما يفعل اللّه عند ذلك شيئا في العالم من الكوائن التي يفعلها عند ظهور الكسوف ، حتى أن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلا لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض التي لم يظهر الكسوف فيها ، وكذلك كسوف القمر في الحكم ، سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكسوف فقال [ ما تجلى اللّه لشيء إلا خشع له ] . وهو ما يظهر لعين الرائي من التغيير في الشمس أو القمر وإن لم يتغيرا في أنفسهما ، فأبدى الحق لعين الرائي ما في نفس الشمس والقمر في ذلك الزمان من الخشوع للّه في صورة ذهاب النور ، فما هلك من البدر إلا نوره لا عينه ، وبقيت ذاته وكونه ، فقد كان ذا نور فاظلم ، واستترت الأشياء حين أعتم ، فقال تعالى مع علمه بالخبر خسف القمر ، وعين القمر هو الظاهر في الكسوفين ، والمتجلي في الوجودين ، وهذا لا يمنع الأسباب المؤدية للكسوف المعلومة لدى العلماء بالفلك ، فإن اللّه من وراء الأسباب ، وكما لا يتعين للكسوف وقت ، لا يتعين للصلاة له ، لأن الصلاة تابعة للأحوال ، وقد ثبت الأمر بالصلاة لها ، وما خص وقتا من وقت ، وهي صلاة مأمور بها بخلاف النافلة ، فإن حملنا الصلاة على الدعاء ، دعونا في الوقت المنهي عن الصلاة فيه وصلينا في غيره من الأوقات ، فصلاة الكسوف سنّة ، والخلاف في صفتها وردت فيها روايات مختلفة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ما بين ثابت وغير ثابت ، وما من رواية إلا وبها قائل ، فأي شخص صلاها على أي رواية كانت جاز له ذلك فإنه مخير ، والرواية التي هي أحب إليّ هي دعاء اللّه تعالى بتضرع وخشوع حتى تنجلي ، فإذا انجلى صلى الإنسان ركعتين شكرا للّه تعالى وانصرف ، وهذه الرواية أحب إليّ لما فيها من احترام الجناب الإلهي ، والرحمة بالأمة المصلين لها ، فإنهم لاستيلاء الغفلات والبطالات عليهم لا يوفون بشروط ما تستحقه الصلاة من الحضور والآداب ، فربما يمقت المصلي ولا يشعر ، أو تثقل عليه تلك العبادة فيتبرم منها ، فلذلك جعلنا رواية الدعاء من غير صلاة أولى ، والصلاة في جماعة أولى إن قدر عليها ، والذي أذهب إليه أنه يستحب للإمام أن يخطب الناس ليذكرهم ويحذرهم ، فإن الكسوف من الآيات التي يخوف اللّه بها عباده ، وقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر الناس بعد الفراغ من الصلاة .